عن الإلهام والتجانس مع الفطرة

الثلاثاء، ٨ مارس ٢٠٢٢

مواضيع متنوعة

هيثم من فريق مانا باي أس


مطرك حينزل على قد وسع بحرك ! 


ما أجمل اللحظات التي يزورنا بها الإلهام ! كالمطر المنهمر على براعمنا الخضراء المتعطشة للحياة. 

قد تدفعنا نمطية الإلهام المتقطعة إلى الاعتقاد أن الإلهام هو حالة موسمية غير مستمرة. معظمنا سيتفق مع هذه العبارة إن كنا نعتقد أن الإلهام محصورٌ فقط في الهبّات الإبداعية والفكرية التي بطبيعتها تأتي وتذهب حسب العوامل الداخلية والخارجية. 

لكن هل تساءلت من قبل عن معنى الإلهام أو العيش بإلهام بالنسبة لك ؟ أو عن متى يزورك الإلهام عادة ؟ أو عن طبيعة الحالة الذهنية والجسدية التي تكوّن البيئة المناسبة لجذب واستقبال الإلهام.

 

قبل الإجابة على هذه الأسئلة دعونا نحلّق معاً بضع آلاف الكيلومترات خارج الغلاف الجوي للأرض ونراقب هذه الأعجوبة من فوق.

تحافظ الكرة الأرضية على اتزانها باستخدام نظام بيئي عبقري ومعقّد يتطلب وجود عناصر خاصة والعمل ضمن قوانين معينة من أجل خلق الحياة والحفاظ على توازنها. ضمن هذا الإطار الشامل، يصبح بإمكاننا أن ندرك أهمية العلاقات التجانسية بين عناصر هذا النظام البيئي الذي نحن جزء منه. (على فكرة هناك الكثير لنتعلمه من قوانين الأرض وعلاقاتها وقطبيتها وازدواجية تجاربها)

تتم عملية الخلق والدمار بشكل متواصل على الأرض بعلاقة خاصة تجمع بين هذه الأقطاب المتضادة لينتج عنها النمو بشكل يضمن استمرارية الحياة على الأرض. وكأن الدمار هو سماد النمو، بالإضافة لعدة عوامل أخرى أساسية لاكتمال دورة الحياة. 

إذاً الأرض في حالة تغيير دائم من أجل ضمان اتزانها، وجزء من هذا التغيير هو أن تفنى بعض الأمور لتفسح المجال لغيرها بالنمو.

كجزء من هذا النظام الإيكولوجي والقانون الكوني، نختبر نحن الأحداث بشكل متسق مع التغيرات الطبيعية والكونية التي تحصل بشكل مستمر، وكما هو الحال مع الأرض، فإننا نحن أيضاً بحاجة لفهم عناصر بيئتنا وكيفية موازنتها من أجل صنع الحياة والحفاظ على نموها.

والسؤال هنا: إلى أي مدى نعيش بتجانس مع هذه القوانين الكونية ومع طبيعتنا الفطرية ؟ وهل للإلهام علاقة بذلك ؟ 

وإذا افترضنا أن الإلهام شبكة طاقية من الأفكار والاحتمالات الغير متناهية، فما الذي يقف بيننا وبين الحبال الطاقية المنسدلة دائماً لتنيرنا وتثري حياتنا ؟

 

دعونا الآن نعود إلى الأرض، لننظر إلى أنفسنا وطبيعة حياتنا من الخارج ومدى اتصالنا بالعناصر بداخلنا وبخارجنا.

ربما أصبح بإمكاننا الآن أن نرى أن نقطة البداية هي نحن، ومدى فهمنا لأنفسنا واتصالنا بجسدنا هو ما يحدد قدرتنا على الشعور بالانسجام والإلهام في حياتنا.


إن اتفقتم معي على أن الإلهام هو حالة من التجانس الروحي والجسدي فعلى الأرجح أنكم ستوافقون أيضاً على أهمية الصحة النفسية والجسدية في تكوين البيئة المحفّزة للإلهام والنمو، حيث لن يكون بإمكاننا الشعور بالإلهام إن كانت طاقتنا مستنزفة، ولن يكون بإمكاننا أن نشحن طاقتنا إن لم نكشف عن الأمور التي تستنزفها.

 

اسأل نفسك عن الجوانب التي تستحوذ على حيّز كبير يستنزف طاقتك ولا يترك لك المساحة الكافية لاختبار البهجة أو الإلهام والإبداع في حياتك.

نتكلم كثيراً في حصص اليوغا عن فكرة "التخلي عن ما لا ينفعك" كما هي حال الأرض في قوانينها للمحافظة على النمو وصناعة الحياة من جديد. فما هي الأفكار والمعتقدات والمشاعر والأمور التي اعتنقتها في وقت ما أو تعوّدت على تقبلها إلى أن غزلت بك وأصبحت أشبه بامتدادٍ لهويتك مع أنها لا تمثل من أنت عليه اليوم ولا تعكس حقيقتك، وآن الأوان لها بالرحيل! 

لست مضطراً للإجابة على كل هذه الأسئلة الآن.

لعل كل ما تحتاج إليه الآن هو أن تخرج عن المشهد، لتسترجع أجزاءك المبعثرة في كل مكان لا يعبّر عنك.

أو أن تأخذ إجازة تقضيها مع نفسك، في غرفتك أو في سريرك أو في أي مكان تشعر فيه بالأمان الكافي لتفرّغ ما تحمله في صدرك من غضب أو حزن. 

أو أن تشعر بدفء يدك على يدك، أو براحة كفك على قلبك.

ربما كل ما تحتاجه هو بعضاً من الراحة والاتصال مع نفسك أو مع العناصر الطبيعية من حولك. 


لن تتغير حياتك بليلة وضحاها لكن إن أعطيت الأولوية لنفسك ستجد أن العديد من الأمور ستبدأ بالتغيّر في حياتك، ابتداءً بالعدسة التي ترسم بها صورة لحياتك وانتهاءً بالأمور التي بإمكانها أن تتجلى في واقعك. 

الحياة ستقابلك في المكان الذي تختاره بأفكارك وأفعالك تجاه نفسك، فلا تقف في أي مكانٍ بعيدٍ عن نفسك.

 

إن احتجت لمكان آمن تستريح به في رحلتك أو صوتاً مرشداً يصاحبك رحلة العودة إلى نفسك، اعلم أننا هنا بأدواتنا وحصصنا ومجتمعنا وقيمنا التي لا تريد منك أن تكون أي شيءٍ إلا أنت. 

 



التعليقات (2)

مها التميمي شهر

شكرا على الكلام الرائع استمتعت بالقراءه
اللهم اجعل ذواتنا تغشاها الهدوء وطمائنيه وسكينه


ضحى الجبوري ٢ أشهر

الله شكرا جزيلا هيثم
سبحان الله اليوم كل شيء يتكلم عن حالتي انا اليوم في اجازة من العمل وعملت صمت عن الكلام ومواقع التواصل وقفلت هاتفي وفقط اخذت اللابتوب واكتب اشياء احبها وفتحت منصة مانا باي اس ومستمتعة بهذا اليوم جدا
شكرا لهذا العطاء الجميل احبكم


فريق مانا باي أس ٢ أشهر

ما أجمل التزامنات لما بنكون بنعطي أنفسنا وبنستقبل ... حب كبير


مساحتك للعودة إلى نفسك

©2022 Mana By Us LTD